لم يكن للإنجليز دور كبير في المحيط الأطلسي حتى النصف الثاني من القرن 16، حيث ازداد نشاطهم البحري بعد هزيمة الأسبان في معركة الأرمادا عام 1588م، وبدأوا منافسة البرتغاليين والهولنديين والفرنسيين في الغزو والتوسع الاستدماري.• تأسيس الشركة: مع مطلع القرن 17، تبنى الإنجليز سياسة شركة الهند الشرقية الإنجليزية (عام 1600م) التي لعبت دوراً خطيراً في نهب خيرات وثروات شبه القارة الهندية وغزوها.
• المرحلة الأولى من الغزو: امتدت حوالي نصف قرن، بدأت بأربع سفن قديمة ودخلت في صدامات مع الخصوم؛ فتمكنت من إزاحة البرتغاليين (1612م) وهزيمة الهولنديين في عدة مواقع، وأنشأت مركزاً تجارياً في "سورات" عام 1612م، ثم سيطرت على الخليج العربي عام 1622م وتأمين الملاحة فيه.
• دعم الحكومة الإنجليزية: يعود هذا التوسع إلى إجراءات عملية اتخذتها الحكومة لدعم النشاط الاستدماري، منها:
1. دعم صناعة السفن (مما ضاعف حركة الملاحة أربعة أضعاف).
2. دعم صناعة الصوف وتطوير تربية الأغنام.
3. دعم صناعات التصدير.
المرحلة الثانية: التدابير الاقتصادية والسيطرة العالمية
واصلت انجلترا دعم التجارة الخارجية والتوسع الاستدماري بإصدار قوانين الملاحة في عهد أوليفر كرومويل (1651م و1660م)، التي قيدت نقل السلع بالسفن الإنجليزية ونشطت "تجارة الرقيق". ودُعمت هذه الإجراءات بتأسيس بنك انجلترا (1694م) وشركة لويدز للتأمين والشركة الأفريقية الملكية، مما مكن انجلترا من السيطرة على "التجارة العالمية" والتحكم في ثروة العالم.
آليات التوسع في شبه القارة الهندية
حولت شركة الهند الشرقية مراكزها التجارية إلى مراكز عسكرية للغزو والنهب، مستغلةً تفكك الدولة المغولية والتعدد العرقي والديني لتطبيق سياسة "فرق تسد". وتوسع نشاطها ليصل إلى 23 مركزاً بحلول عام 1647م، كما حصلت على ميناء بومباي عام 1668م ليصبح مقراً للشركة.
الصراع الإنجليزي الفرنسي وموقعة بلاسي
اشتد التنافس مع الفرنسيين حتى منتصف القرن الثامن عشر، وتمكن "روبرت كلايف" من إرساء السيطرة و"تقليم أظافر الفرنسيين" بالمنطقة. وعن طريق الرشوة والخديعة، انتصر الإنجليز في موقعة "بلاسي" (1757م)، وهي الحادثة التي اعتُبرت "صفقة تجارية" أكثر منها هزيمة عسكرية.
حرب السبع سنوات وبسط السيطرة الكاملة
خلال حرب السبع سنوات (1756-1763م)، هزمت انجلترا الفرنسيين وفقد هؤلاء مركز "بوندشيري". وانطلق الحكام "وارن هاستنج" و"المركيز ويلسلي" في عمليات توسع ونهب واسعة؛ فتم ضم بلاد السند عام 1843م، ثم هزيمة السيخ في معركة "جوجرات" عام 1856م والاستيلاء على البنجاب، وبذلك بسط الإنجليز سيطرتهم كاملة على شبه القارة الهندية.
ت الاستغلال والاستنزاف الاقتصادي
تعرضت شبه القارة الهندية لأبشع استغلال واستنزاف لثرواتها وجهود رجالها ونسائها، حيث وظف الغزاة إنجازات النهضة العلمية والتقنية (محركات الطاقة البخارية والآلات الميكانيكية) لإفقار الهند وتفكيك بنيتها الاقتصادية والاجتماعية لتصبح في خدمة الاقتصاد والمجتمع الإنجليزي.
الرشوة والفساد الإداري
حققت شركة الهند الشرقية أرباحاً هائلة استخدمت جزءاً منها كـ "رشاوى" لكبار الحكام؛ فشملت رشوة "كرومويل" بمبلغ 60 ألف جنيه، والملك "شارل الثاني" بمبلغ 400 ألف جنيه ليساندها في عمليات الغزو والنهب. وقد عاد الموظفون والإداريون إلى بلادهم أثرياء بفعل "أنهار الثروة في الهند التي كانت تنساب إلى إنجلترا".
تدمير الصناعة المحلية وتحول الميزان التجاري
تعرض الحرفيون لاضطهاد ممنهج بهدف القضاء على الصناعة الحرفية لتحل محلها المصنوعات الإنجليزية المدعومة بضرائب جمركية مرتفعة. حولت هذه السياسة الهند من "مصدّر للقماش إلى مورّد له"، فانخفضت حصتها من الإنتاج الصناعي العالمي من 24.5\% عام 1750م إلى 1.7\% فقط عام 1900م.
السياسات الضريبية والنتائج الكارثية
استعملت الشركة حق فرض الرسوم بشكل متعسف وجائر على الفلاحين، مما أدى إلى إفلاسهم وعجزهم عن شراء البذور. ونتج عن هذه الممارسات -إلى جانب الجفاف- دمار هائل أدى إلى موت ثلث سكان المنطقة (حوالي 30 مليون نسمة)، خاصة في بيهار وأوريسا والبنغال، حتى أصبحت أراضي الشركة "دغلاً تسكنها حيوانات متوحشة".
استعباد العمال وإغراق الأسواق
تم استنزاف الثروات نحو حسابات بنوك بريطانيا، وحُوّل النساجون والحرفيون الناجحون عملياً إلى "عبيد" من قبل أسيادهم البريطانيين، بينما أُغرقت الأسواق الهندية بالمنتجات البريطانية.
دود الأفعال الوطنية وثورة السبايس (1857م)
أدت سياسات النهب والاستعباد إلى ردود أفعال أبرزها "ثورة السبايس" في مايو 1857م، التي واجهها البريطانيون بوحشية ولاإنسانية؛ حيث ارتكبت القوات البريطانية مذابح في دلهي، وتم إعدام الأمراء والوزراء بربطهم إلى "فوهات المدافع"، وحرق العجزة والنساء والأطفال أحياء في قراهم، وهو ما وصفه الإنجليز في رسائلهم بأنه "لعبة تسلية".
نتائج الثورة والتحول في سياسة الاحتلال
تم القضاء على الثورة باستغلال التناقضات السياسية والدينية والأطماع الشخصية، وأصدرت الحكومة البريطانية قانون 02 أوت 1858م الذي أنهى حكم الشركة وألحق البلاد بـ "التاج البريطاني". وشرع الاحتلال في اعتماد آليات جديدة لمنع تكرار الحوادث، مع مواصلة استخدام سياسة "فرق تسد" بوحشية.
الاضطهاد الممنهج ضد المسلمين
مست إجراءات الاحتلال المسلمين بشكل أكبر في ممتلكاتهم وعقيدتهم، فكانت مناطقهم الأكثر تضرراً من الفقر والمجاعات (مثل مجاعة 1876-1878). وقد تم إقصاء المسلمين من الإدارة والمناصب الرسمية وتقديم الهندوس عليهم، حيث أظهرت إحصائيات 1871م أن المسلمين لم يشغلوا إلا 92 منصباً من أصل 2111 في البنغال.
السياسة التعليمية والثقافية
عمل الاحتلال على خنق التعليم الوطني لضمان عدم وعي الشعب وثورته، وفرض اللورد "توماس ماكولاي" اللغة الإنجليزية كلغة أولى للتعليم عام 1835م. كان الهدف من ذلك تكوين طبقة من "الوسطاء" تكون هندية في الدم واللون، ولكنها "إنجليزية في الأفكار والاعتقادات والعادات"، ليكونوا مرتمين في أحضان الثقافة الغربية ومتنكرين لثقافتهم المحلية وعيش أجدادهم.
نشأة الحركة الوطنية المنظمة (حزب المؤتمر الوطني الهندي)
1. السياق الاقتصادي والاجتماعي لنشأة الحركة:
• انهيار الصناعات المحلية: عجز الصناعات الحرفية عن الصمود أمام المنتجات البريطانية أدى إلى تزايد الغضب الشعبي.
• سياسة "امتصاص الغضب": لجأت الحكومة البريطانية لفتح المجال السياسي كـ "صمام أمان" لتفادي انفجار شعبي مماثل لثورة 1857م، وذلك عبر السماح بتأسيس تنظيم سياسي يمتص نقمة المثقفين.
2. تأسيس حزب المؤتمر الوطني الهندي (1885م):
• المبادرة البريطانية: تأسس الحزب بمبادرة من "ألان هيوم" (موظف إنجليزي سابق) وبمباركة الحاكم العام "اللورد دفرين".
• أهداف الحزب الأولية: كان الحزب في بدايته يقوم على "التعاون بين الهنود والإنجليز لخير الهند"، وتركزت مطالبه على إصلاحات إدارية بسيطة دون المطالبة بالاستقلال.
• طبيعة القيادة: سيطر عليه في البداية رجال القانون والأغنياء الذين تشبعوا بالثقافة الإنجليزية (نتاج سياسة ماكولاي التعليمية).
3. انقسام الحزب وبروز التيار المتطرف (القومي):
• نمو الوعي القومي: مع أواخر القرن التاسع عشر، برز جيل جديد من المثقفين (أمثال تيلاك، لاجبات راي، وبيربن شاندرا بال) الذين رفضوا سياسة "الاستجداء" البريطانية.
• التيار المتطرف (القومي): نادى هذا التيار بالكفاح الفعلي، والمقاطعة الاقتصادية للبضائع الإنجليزية، والاعتماد على الذات لتحقيق الاستقلال (السواراجي).
• انشقاق "سورات" (1907م): أدت الخلافات بين التيار "المعتدل" (المسالم) والتيار "المتطرف" إلى انشقاق رسمي في الحزب خلال دورة مدينة سورات.
4. السياسة البريطانية تجاه القوميين:
• القمع والمناورة: واجهت بريطانيا التيار المتطرف بالقمع والسجن (مثل سجن تيلاك)، وفي الوقت نفسه قدمت "تنازلات" للتيار المعتدل لشق صفوف الحركة الوطنية.
• إصلاحات "منتو-مورلاي" (1909م): قدمت بريطانيا هذه الإصلاحات لامتصاص النقمة، لكنها كرست فيها "التمثيل المنفصل" للطوائف، مما عمق سياسة "فرق تسد" بين المسلمين والهندوس.
الهند بين الحربين العالميتين ومرحلة "غاندي" وصولاً للاستقلال
1. أثر الحرب العالمية الأولى (1914-1918م):
• المساهمة الهندية: قدمت الهند تضحيات بشرية ومادية هائلة (نحو مليون ونصف جندي، وأموال ضخمة لدعم المجهود الحربي البريطاني).
• تدهور الأوضاع: أدت الحرب إلى زيادة الضرائب، ارتفاع الأسعار، وانتشار الأوبئة والمجاعات، مما ولّد سخطاً شعبياً عارماً.
• الوعي السياسي: عاد الجنود الهنود من جبهات القتال بأفكار حول الحرية وتقرير المصير، مما أعطى دافعاً قوياً للحركة الوطنية.
2. بروز شخصية "المهاتما غاندي" وفلسفة النضال:
• القيادة الجديدة: دخل غاندي الساحة السياسية عام 1915م بعد عودته من جنوب أفريقيا، وحوّل الحركة الوطنية من حركة نخبوية إلى حركة جماهيرية شاملة.
• سياسة "الساتياغراها" (اللاعنف): اعتمد غاندي استراتيجية "اللاتعاون ضمن اللاعنف" (Ahimsa)، والتي تضمنت:
• مقاطعة البضائع والمنسوجات الإنجليزية وتشجيع الصناعة المحلية (المغزل اليدوي).
• مقاطعة المدارس والمحاكم والمؤسسات البريطانية.
• العصيان المدني السلمي ورفض دفع الضرائب الجائرة (مثل مسيرة الملح).
• الهدف: تحرير الهنود من "عقدة الخوف" وإثبات أن الحكم البريطاني لا يستمر إلا بتعاون الهنود معه.
3. السياسة القمعية والمجازر البريطانية:
• قانون "رولت" (1919م): أصدرت بريطانيا قوانين قمعية تسمح بالاعتقال دون محاكمة لامتصاص الغضب الشعبي.
• مجزرة "أمريتسار" (1919م): فتحت القوات البريطانية النار على تجمع سلمي، مما أسفر عن مقتل وإصابة الآلاف، وكانت هذه المجزرة نقطة تحول كبرى زادت من إصرار الهنود على الجلاء التام.
الصراع الطائفي وبروز "الرابطة الإسلامية":
• سياسة "فرق تسد" المتأخرة: شجعت بريطانيا النزعات الطائفية لشق صف الوحدة الوطنية بين الهندوس والمسلمين.
• محمد علي جناح: قاد الرابطة الإسلامية وطالب بكيان مستقل للمسلمين (باكستان) نتيجة تخوفهم من هيمنة الأغلبية الهندوسية في "هند موحدة".
• أحداث 1946م: شهدت البلاد صدامات طائفية دموية (خاصة في كلكتا ودلهي والبنغال) راح ضحيتها الآلاف، ولم تتدخل سلطات الاحتلال بجدية لوقفها.
5. الطريق إلى الاستقلال والتقسيم (1947م):
• تصريح "أتلي" (20 فبراير 1947م): أعلن رئيس الوزراء البريطاني عزم بريطانيا نقل السلطة إلى أيدٍ هندية في موعد لا يتعدى جوان 1948م.
• خطة "مونتباتن": تقرر تقسيم شبه القارة إلى دولتين مستقلتين:
1. اتحاد الهند: (للأغلبية الهندوسية).
2. باكستان: (للأغلبية المسلمة، وتضم قسمين شرقي وغربي).
• الاستقلال: نالت الدولتان استقلالهما في أوت 1947م، وصاحب ذلك هجرات جماعية ضخمة ومآسٍ إنسانية نتيجة تبادل السكان بين الدولتين الجديدتين.