أبدأ يومي وأنا أحمل في داخلي شعورًا عميقًا بالفقد، غياب أمي الذي لا يفارق مخيلتي ولا يغيب عن عيني لحظة. ما زلت أستحضر نظراتها تلك الليلة على سرير المستشفى، حين عدت من السفر، كأنها كانت تناديني بصمت… نظرات ما زالت تؤلمني كلما تذكرتها، وكأن الزمن توقف عندها.

نظرتُ إليها وقلتُ: لقد وصلتُ يا ستّ الكل، أنا بجانبك الآن ولن أتركك. أمسكت بيدي وضغطت عليها، كأنها تقول بصمت: لا تتركني. مرّت اللحظات سريعًا، وغادرتُها على أمل أن أعود فأجدها بصحةٍ كاملة، واعيةً ومدركةً بوجودي… أعلّق قلبي على ذلك الأمل، وأحمله معي كلما اشتدّ عليّ الحنين.

كيف لي أن أصف مرور تلك الليلة عليّ، وأنا ما زلت أستحضر كل تفاصيلها المريرة وكأنها تحدث الآن؟ ذهبتُ مع أخي إلى بيتها، ذلك البيت الذي لم أكن أدخله يومًا دون وجودها…بسيطة كما هي، زبادي أبيض، ولبن، وبعض التمرات… يا حبيبتي، كما كنتِ دائمًا: بسيطة، تحبين الحياة دون تكلف.

انهمرت دموعي دون استئذان، وضعتُ حقيبتي على سريرها، ثم نظرتُ إلى مكاني القديم… حيث كنتُ أنام تحت سريرها على فراشٍ كانت تدفئه لي كل ليلة. هناك فقط، شعرتُ أن الفراغ أكبر من أن يُحتمل، وأن غيابكِ ليس مجرد غياب… بل عالمٌ كامل انطفأ.